عماد الدين خليل
282
دراسة في السيرة
[ 5 ] وما لبثت هزيمة أحد أن أفسحت لليهود مجالا ينفسون فيه عن أحقادهم ويظهرون ضغائنهم على الإسلام ونبيه ، وراحوا يطلقون الأقوال السيئة ويقولون : ما محمد إلا طالب ملك ، ما أصيب هكذا نبي قط ، أصيب في بدنه وأصيب في أصحابه ، حتى أن ذلك استفز عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فاستأذنه في قتل الرؤوس اليهودية التي نفثت سمومها في قلب المحنة فأجابه الرسول صلى اللّه عليه وسلم : يا عمر إن اللّه مظهر دينه ومعزّ نبيه ، ولليهود ذمة فلا أقتلهم « 1 » . ولم يقف اليهود عند حدود الحرب النفسية بل إنهم مضوا إلى أبعد من ذلك مستغلين فرصة ضعف المسلمين ومأساتي الرجيع وبئر معونة وتألب الأعراب الوثنيين ضدهم فقرر زعماء بني النضير « 2 » التامر على حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم في السنة الرابعة للهجرة . ذلك أنه ذهب إلى حصونهم ، بصحبة عدد من كبار أصحابه ، يستعينهم في دية قتيلين من بني عامر ، كان أحد أصحابه قد قتلهما خطأ في أعقاب نجاته من مجزرة بئر معونة ، وفق ما تقضي به المواثيق التي كان اليهود قد أمضوها مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم . وعندما عرض عليهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ما جاء من أجله ، قالوا : نعم يا أبا القاسم ، نعينك على ما أحببت مما استعنت بنا عليه . ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - وكان صلى اللّه عليه وسلم قد جلس يستريح أسفل جدار بيت من بيوتهم - فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه ؟ فقال عمرو بن جحاش بن كعب : أنا لذلك ، وصعد لتنفيذ المهمة ، فنزل الوحي الأمين لكي يخبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بما أراد القوم ، فما لبث أن غادر المكان عائدا إلى المدينة ، ولما انتظره أصحابه طويلا ولم يعد ، قاموا في طلبه ، وفي الطريق لقوا رجلا مقبلا من المدينة أعلمهم أنه رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم داخلا ، ولما التقوا به أخبرهم بما اعتزمه اليهود من الغدر به . وأرسل إلى بني النضير ينذرهم بضرورة مغادرة المدينة خلال عشرة
--> ( 1 ) الواقدي : 1 / 317 - 318 ، المقريزي : إمتاع الأسماع 1 / 165 . ( 2 ) عن أصل بني النضير وبني قريظة انظر : Margoliuth : The Relations between Arabs Israelites , Lec , 3 .